السيد محمد الصدر

382

تاريخ الغيبة الصغرى

كل حال ، لا انه ينال معيشته من عمله المباشر من نتائج هذه الوسائل . إذن ، لا يكون الفرد مربوطا بالآلة بنفس الارتباط الذي فرضته الماركسية سابقا ، ومعه لا يمكن أن نتصور تأثير هذه الوسائل في حياة الفرد . وإنما يكون مربوطا بالماركسية وقوانينها ليس إلا ، وهي قوانين اختيارية « واعية » غير اضطرارية ، كما ترى الماركسية نفسها ذلك . فإذا لم تكن العلاقات المباشرة مع الآلة ، علاقات ضرورية ، أو أنها علاقات غير مثيرة للاهتمام الاقتصادي في حياة الفرد ؛ إذن تكون الحلقة الرابطة بين الآلة والمجتمع وهي ( علاقات الإنتاج الضرورية ) مفقودة . ومعه ، تعجز الآلة عن بث تأثيرها في المجتمع ، كما عجزت عن صنع علاقات إنتاج ضرورية . فقد تبرهن أن المرحلة العليا من وسائل الإنتاج ، تلك التي توجد الطور الأعلى ، لا تستطيع تغيير أي شيء من ظواهره . إذن ، فمن أجل هذه الأمور أو المناقشات الثلاث ، يتبرهن أن تأثير وسائل الإنتاج في هذا الطور ليس ضروريا ، لا في إيجاد الملكية العامة ولا في إيجاد كل ظواهر المجتمع ، بالرغم من أن قواعد المادية التاريخية تقتضي ذلك . ومعه نكون قد اقتربنا من الرأي الماركسي الآخر ، وهو أن كل ما يحدث في الطور الأعلى ، هو شيء واع واختياري للأفراد ، وليس اضطراريا . وهذا مخالف لقواعد المادية التاريخية . ومن الواضح أن هذه القواعد لا تصلح للاستثناء ، لأن الضرورة الكونية دائمة التأثير لا تعرف الاستثناء ، كالسقوط من أعلى أو الاحتراق بالنار ، ولا يكون الوعي والاختيار مؤثرا في تغيير تأثيرها ، ما دام المجال القانوني لها متوفرا . وإذا رجعت الملكية العامة لوسائل الإنتاج إلى الوعي والاختيار ، فمعنى ذلك : أن مفكرا معينا أو مجموعة معينة من المفكرين يرون أن هذا هو الأصلح للمجتمع عند وجود ظواهر معينة فيه ، أو عند وصول وسائل الإنتاج إلى مرحلة معينة من التطور العالي . وإذا عرضت الفكرة على هذا الشكل ، كانت كأي فكرة منفردة قابلة للمناقشة من قبل المفكرين الآخرين في المجتمع ، وفقدت هيبتها العلمية التي أرادتها لها الماركسية ، حين ربطتها بفلسفة مجموع التاريخ البشري ربطا ضروريا .